ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

495

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

وقال الشاعر وأجاد : توق خلافا إن سمحت بموعد * لتسلم من هجر الورى وتعافى فلو أثمر الصفصاف بعد وروده * وإيناعه ما ألقسوه خلافا الثالث : حفظ اللسان من الغيبة ، فالغيبة أشدّ من ثلاثين زنية في الإسلام ، كذلك ، في الخبر ، ومعنى الغيبة أن تذكر إنسانا بما يكرهه لو سمعه وأنت مغتاب ظالم ، وإن كنت صادقا . وإيّاك وغيبة القراء المرائين ، وهو أن تفهم المقصود من غير تصريح ، فيقول : أصلحه اللّه وقد ساءني في غمني ما جرى عليه ، فنسأل اللّه أن يصلحنا فإنّ هذا جمع بين خبيثين أحدها الغيبة إذا حصل الفهم ، والآخر تزكية النفس والثناء عليه . وقد ذكرنا في الباب السابق ما فيه كفاية فلا حاجة لإعادته ، ويكفيك زاجرا عن الغيبة قول اللّه ( عزّ وجلّ ) : وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ « 1 » ، فقد أشهدك اللّه ( تعالى ) بأكل لحم الميتة ، فما أجدرك أن تحترز منه ، ويمنعك من غيبة المسلمين ، أو لو تفكّرت فيه وهو أن تنظر في نفسك هل فيك عيب ظاهرا وباطنا ؟ وهل أنت مقارف معصية سرّا أو جهرا ؟ فإن عرفت ذلك من نفسك فاعلم أنّ عجزه من التنزّه عمّا نسبته إليه كعجزك ، وعذره كعذرك ، وكما تكره أن تفتضح وتذكر عيوبك فهو أيضا يكرهه ، فإن سترته ستر اللّه عليك ، وإن فضحته سلّط اللّه عليك ألسنة حدادا يمزّقون عرضك في الدنيا ، ويفضحك اللّه في الآخرة على الملأ . وإن نظرت إلى ظاهرك وباطنك فلم تطلع فيهما على عيب ونقص في دين أو دنيا فاعلم أنّ جهلك بعيوب نفسك أقبح أنواع الحماقة ، ولا عيب أعظم من الحمق ، ولو أراد اللّه بك خيرا لبصّرك بعيوب نفسك بيد نفسك بعين الرضا غباوتك وجهلك ، ثمّ إن كنت صادقا في ظنّك فاشكر اللّه ( تعالى ) ولا تشغل نفسك بذكر عيوب الناس والتمضمض بأعراضهم ، فإنّ ذلك من أعظم العيوب . قال الشاعر : قولوا لمن يذكرني بغيبة * بين الشهادة قال خيرا يلقه وإذ قيل سر فسر . الرابع : المراء والحنة ومناقشة الناس والكلام ، فذلك فيه إيذاء للمخاطب وتجهيل له وطعن فيه ، وفيه ثناء على النفس وتزكية لها بمزيد الفطنة والعلم ، ثمّ هو مشوّش للعيش ، فإنّك لا تماري سفيها إلّا ويؤذيك ، ولا تماري حليما إلّا ويقلبك ويحقد عليك .

--> ( 1 ) - الحجرات : 12 .